ابن كثير
515
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
والنهار ، بل كان منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخ ، لأنهما مسخران دائبين يتطالبان طلبا حثيثا . وقوله تبارك وتعالى : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يعني الليل والنهار والشمس والقمر ، كلهم يسبحون أي يدورون في فلك السماء ، قاله ابن عباس وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : في فلك بين السماء والأرض ، ورواه ابن أبي حاتم ، وهو غريب جدا بل منكر . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما وغير واحد من السلف : في فلكة كفلكة المغزل . وقال مجاهد : الفلك كحديدة الرحى أو كفلكة المغزل ، لا يدور المغزل إلا بها ، ولا تدور إلا به . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 41 إلى 44 ] وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 41 ) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ ( 42 ) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ( 43 ) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 44 ) يقول تبارك وتعالى : ودلالة لهم أيضا على قدرته تبارك وتعالى تسخيره البحر ليحمل السفن ، فمن ذلك بل أوله سفينة نوح عليه الصلاة والسلام ، التي أنجاه اللّه تعالى فيها بمن معه من المؤمنين الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم عليه الصلاة والسلام غيرهم ، ولهذا قال عز وجل : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ أي آباءهم فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أي في السفينة المملوءة من الأمتعة والحيوانات ، التي أمره اللّه تبارك وتعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : المشحون الموقر ، وكذا قال سعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي . وقال الضحاك وقتادة وابن زيد : وهي سفينة نوح عليه الصلاة والسلام . وقوله جل وعلا : وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ قال العوفي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : يعني بذلك الإبل ، فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبونها ، وكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة في رواية ، وعبد اللّه بن شداد وغيرهم : وقال السدي في رواية : هي الأنعام . وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا الفضل بن الصباح ، حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، قال : أتدرون ما قوله تعالى : وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ قلنا : لا ، قال : هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح عليه الصلاة والسلام على مثلها ، وكذا قال أبو مالك والضحاك وقتادة وأبو صالح والسدي أيضا المراد بقوله تعالى : وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ أي السفن ، ويقوي هذا المذهب في المعنى قوله جل وعلا : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ [ الحاقة : 11 - 12 ] . وقوله عز وجل : وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ يعني الذين في السفن فَلا صَرِيخَ لَهُمْ أي لا مغيث
--> ( 1 ) تفسير الطبري 10 / 445 .